9 - 12 - 2019
الرئيسية / لكل مقامٍ / ‏عط الخباز خبزه

‏عط الخباز خبزه

عندما كنت صغيرًا، كان يصطحبني جدي-رحمه الله- لأجلس في مجالس الرجال الذين يمتلكون من الخبرة والحكمة الكبيرة بعد أن عاشوا تجارب كثيرة خلال السنوات المديدة التي قضوها في مدرسة الحياة، فينقلون من خلال تلك الجلسات تجاربهم وخبراتهم التي تحمل في طيّاتها دروس وعبر لطيفة لمن يصغرهم سنًّا بحيث يتعلّمون من الدّرس من دون مكابدة مشقّات التّجربة.

‏وفي أحد المجالس استمعت لقصّة علقت في ذهني منذ ذلك الوقت، كان يرويها أحد الحضور من كبار السن، والذي تبدو عليه معالم الوقار والهيبة وقَد أخذ الزّمان حصّة من وجهه الممتلئ بالتّجاعيد.

‏قال “في مرحلة شبابي – وهذه المرحلة تتميز بالاندفاع وفضول التجربة – كان لي صديقًا أعز من عندي من نفسي، كنّا لانفترق ليلا ونهار نقتسم لقمة العيش ونتشارك الهموم وكل ما يتعلق بحياتنا اليومية ونرسم تطلعاتنا وأهدافنا وأحلامنا في مخيلاتنا عسى أن نحقق ما كنّا نحلم به في يومٍ ما، وكان من أحلامنا أن نصبح ” تجّار ” فكل شاب في ذلك الزمن الجميل – والذي يتميز ببساطته – يحلم أن يصبح تاجرًا ذائع الصّيت، حيث كانت الحرَف والأعمال الحرّة هي الطاغية في ذاك الزّمان، فعملت أنا وصديقي في إحدى الحرف لفترة ليست بالقصيرة وكنا نعمل بكل اجتهاد وإخلاص لا نعرف فيهما الكلل والملل، فجمعنا بعضًا من المال بقدرٍ يكفي كل واحد منا للدخول في عالم التجارة.

‏في بداية الأمر اختلفت مع صديقي على نوعية المشروع فكل واحد منا ابتدأ بمشروعه الخاص، ولكن الخطأ الفادح والعظيم الذي ارتكبته هو أنني تعرفت على شخص أوهمني بأنّه خبير في كل المجالات المتعلقة بمشروعي وهو ليس من أهل الاختصاص، ولكن ! ما شدّني تجاهه هو أسلوبه اللبق ووعوده لي بأن يُكمل المشروع بأقل جهد وتكلفة مالية وأقصر وقت، أما صديقي الذي عمل في مشروعه الخاص، كان فطن وأكثر حكمة فاستعان بذوي الخبرة وأهل الاختصاص كلٌّ حسب اختصاصه حتى لو كلفه هذا الأمر جهدًا أكبر ووقتًا أطول وتكلفةً ماديه أكبر، ولكن ! هل تعلمون ماذا حدث في النهاية! الحمدالله على كل حال خسرت مشروعي وتبدّدت أحلامي وأما صديقي وفقه الله وبارك له في الرزق الوافر بل عملت موظف في أحد مشاريعه! فتعلمت من بعد هذا الدرس أن أسأل أهل الاختصاص وذوو الخبرة قبل أي خطوة أخطوها مُتّكئًا على المثل الشعبي الذي يقول ( عط الخباز خبزته )”.

‏نستخلص من هذه القصة البسيطة عبرة ضرورية أهداها لنا هذا الرّجل المسن وهي تقدير رأي المختص في أي مجال من مجالات حياتنا، وهذا الأمر ينطبق على آرائنا التي نطلقها في غير مجالنا فينبغي علينا أولًا أن نطّلع على رأي أهل الاختصاص وثم بعد ذلك نعبر عن آرائنا بإحاطة واطّلاع على آراء أهل الاختصاص.

بقلم

حسن علي الشواف

شاهد أيضاً

بداية ليست ككل البدايات ..

مازلت أتذكر كل بداياتي في المدرسة، في الجامعة، في العمل، أو في أي مهمة رسمية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *