17 - 9 - 2019

كاف

السلوك الاعتيادي على الاقتناء باعثٌ لليأس! هكذا يتفق مؤلف كتاب (أسعد بنسبة 10%) دان هارِس مع “المكتفيان” جشوا فيلدز ملبِرن وصديقه رايَن نَكَديمِس، لأن المزيد من الاستهلاك –والاستهلاك هو سمة الحداثة- لن يسد فجوة النقص في النفس طالما يخرقها الجديد والمبتكر، اختراقاً لا يترك مسوّقوا الابتكار وسيطاً يوصلهم إليك إلا اقتحموه، لينتهي المطاف بالتكديس، وحيث المساحة الفارغة في أي ركن، سواءً معنوياً كان أم مادياً، ستجد كل ما يجب الفكاك منه! لذلك يؤكد المعمار فرانك ماسكيا أن السكن في أصغر مساحة ممكنة هو التجاوب الضروري مع الحالة الراهنة، حينها ستحظى أشياؤك الأهم بمساحات التخزين، وبشيءٍ من “سحر الترتيب”(1)، سوف تتخلص من “عبودية الكراكيب”(2).

          يحاول “المكتفون” –ترجمتي لـ The Minimalists- الوصول للسعادة المثلى عبر منهجية التخلي؛ أن تترك كل تلك السلع التي أمضيت وقتك وجهدك ومالك لاقتنائها، وفرحت بها للحظات، ثم ركنتها في المرآب أو أسفل السلّم فور أن أنتجت لك الموضةُ البديلَ لتصرف الوقت والجهد والمال لاقتنائه! وهكذا إلى ما لا نهاية، لأنك –والقول لحكيم الطب النفسي رِك هانسِن- “لن تكتفي أبداً مما لا تريده حقيقةً”. لما كل هذه الشراهة على الاقتناء إذاً؟! والجواب للحكيم عينه، لأننا نريد ما تجلبه لنا مقتنياتنا من الشعور بالامتلاء. وهكذا يتحول السلوك الاستهلاكي لدى بني الإنسان إلى علامة فاضحة تدل على خوائهم الروحي والنفسي والفكري والعاطفي.

          أتساءل، ما هي أبسط الأشياء التي يمكنني أن أتخلى عنها لو وددت المضي قدماً في تجربة الاكتفاء هذه؟ يبدو -من بين كل ما أملك السيطرة عليه- أن الكلام والطعام هما أبسط الأشياء التي يمكن لكل إنسان أن يتخلى عنها، فإذا ما نجح المرء عبر مقرر زمني في التقليل قدر الإمكان من كلامه وطعامه إلى حد الكافي، أظن أنه سينجح في التخلي تدريجياً عما هو أكثر تعقيداً. لذلك ابتكرت تجربة متخيّلة، ابتدأتها بالتمهيد في يومين متفرقين من كل أسبوع حتى أعتاد عليها، وعوضاً عن الكلام في كل شاردة وواردة ارتأيت خوض تجربة القراءة، والتقليل من وجبات الطعام لفترتين فقط، أول النهار وآخره، يتخللهما شرب كأس من الماء في كل ساعة، وحين الشعور بالجوع. ثم وضعت مستوى أعلى حيث أضفت إلى هذه الأيام ثلاثة أخرى متتالية في منتصف كل شهر، وازددت من حصص القراءة وخفضت من كمية الطعام والماء، وأدرجت بعضاً من المهام العملية كممارسة الرياضة على سبيل المثال. في مرحلة أخيرة، أضفت لما سبق شهراً كاملاً، وخفّضت الطعام والماء، مع تعقيد المهام.

          ألا تبدو هذه التجربة مألوفة؟ ألا نقوم بها على شكل استشفاء من بعض الأمراض، أو شعيرة دينية وطقوس إيمانية؟ وهل تبادر إلى الذهن ما إن كانت هناك حكمة من وراء ممارسة كهذه؟

          الصوم والصيام، في اللغة بمعنى الإمساك أو التوقف عن الفعل، وهو في الاصطلاح الشرعي الفريضة المعروفة. قيل لي أنها التجربة التي تعرضنا للشعور بحال الفئات الاجتماعية المعدومة أو شبه المعدومة، هؤلاء الذين لا يجدون ما يسترون به عوراتهم ويقيمون به صلبهم، فنجوع كما يجوعون، تمرين لجعل المرء حذاء الآخر. لكني أرى خلاف ذلك، إنما غاية الصوم والصيام الانتقال من نهي النفس عن إتيان المنكرات إلى التوقف عنها، أن تخفّض تدريجيّاً من قيمة الأشياء بمقابل إعلاء قيمة الذات، أن تحب ما يفيد، وتصنع ما تحب، وتجيد ما تصنع، وتحسّن ما تجيد، فـ”قيمة كل امرئِ ما يحسنه”(3)، و”ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”(4).

|خالد اسنافي الفالح|      @KhalidAlFaleh

خريجين مخيم براحة

الهوامش:

  •  كتاب من تأليف الكاتبة ماري كُندو.
  • كتاب من تأليف الكاتبة كارِن كنگِزتَن.
  • (3)     حكمة تُنسب للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
  • إنجيل متّى، الإصحاح 4، آية4.

شاهد أيضاً

بداية ليست ككل البدايات ..

مازلت أتذكر كل بداياتي في المدرسة، في الجامعة، في العمل، أو في أي مهمة رسمية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *