9 - 12 - 2019
الرئيسية / لكل مقامٍ / تأملات (أنت لن تعيش مرتين!)

تأملات (أنت لن تعيش مرتين!)

     هل تساءلت يومًا ما هو الإبداع وكيف يكون الإنسان مبدعاً؟ هل هناك قواعد محددة وخطوات معينة لفعل ذلك؟

الإبداع هو رغبة، هو حاجة، هو أن تكون غريباً وتدخل معارك مع نفسك وتقاوم الاعتياد لتخرج بغير المألوف، وقد تعارك الناس أيضًا لأن إبداعك سيكون ضربة في وجه العادات والتقاليد وما اعتاد عليه الناس فألفوه، الإبداع هو المحرك، هو الاكتشاف، هو أن تصنع شيئًا لم يكن، الإبداع يخرجك من حلبة اليأس والركود، الإبداع يلهمك، الإبداع هو القوة للتخيل!

     من السهل جدًا أن تكون ناقدًا على أن تكون صانعًا أو مطورًا، اخرج من سياق المجتمع الذي تعيش فيه، اخرج إلى العالم، أعد تشكيل المفاهيم والقيم، أعد تشكيل حياتك بما يناسبك، أعد تشكيل التقاليد وما اعتدت عليه بسبب المجتمع، اصنع لك شيئًا فريدًا، فلكل منا خبرة فريدة تنعكس على ما نصنع فيتميز بذلك، هذا هو الإبداع، أن تحول خبراتك لشيء إبداعي تفيد به العالم وتغير من مساره العتيق، لا تتبع التقاليد واخرج إلى العالم واكتشف، فاكتشافك للعالم يعني اكتشاف نفسك.

     لا يمكنك إلقاء مسؤولية وضعك الحالي على أحد، قد تلوم شخصًا أو مجتمعًا على حادث ما، لكن ليس هناك مسؤول عما يبدر منك من رد فعل سواك أنت، أنت وحدك المسؤول عن ذلك، تذكر هذا جيدًا، بالرغم من ذلك، فارتكابك لخطأ ما ومعاقبتك عليه لا يعني بأن للمُعاقِب الحق بإنهاء دورك في الحياة، ولا ينفي ذلك استطاعتك على الإبداع وعيش الحياة التي تريد، ليس لأحد الحق أن يعرّفك بخطئك، بل أنت إنسان وتستحق كل معاني الحياة والحرية للعيش، المخطئون يحتاجون لاحتواء، لاحتضان، لعناية خاصة، فهم طاقات هائلة وإمكانيات كامنة وُجهت للطريق الخطأ ويمكن إعادة تصحيح مسارها وإزهارها، فلا داعي لأن تتحسر وتسرد “العالم الذي يفترض أن تعيش فيه” على أوراق مصيرها الحاوية، بل اصرخ بأعلى صوتك أن من حقك العيش وبأنك قادر على صنع ذلك العالم “الذي يفترض أن تعيش فيه”، الجريمة والعقاب والسجون لا تقلل من قيمة الناس، فكم من مجرم طليق بيننا، وكم من أرواح تزهق يوميًا باسم العادات والتقاليد، وتحارب باسم العدالة، وتدفن باسم المصلحة العامة، ومع ذلك لا نرى عقابًا منصفًا لهؤلاء البشر.

     الإنسان بطبعه كسول كما يراه المجتمع أو كما صنع منه المجتمع، يتجه دائمًا للخيار الأسهل، للجواب الأوضح، يسلك المسار الأقل مقاومة، لابد لذلك أن يتغير، لا خيار آخر غير التغيير، لابد من رفع أصوات الإبداع بداخلنا، أصوات الرغبة، أصوات المقدرة، أصوات الحياة، ولأجل ذلك، لأجل تغيير عالمنا للأفضل، ولأجل جلب العالم الافتراضي الذي تخيلنا أنفسنا نعيش فيه للحياة، لابد لنا بداية أن نتعمق بداخلنا، نتعمق في الأشياء، نتعمق في الرسائل، نتعمق بالوسائل، لابد لنا من تجربة شيء جديد، علينا أن نتجرّأ لفعل ذلك، علينا أن نكون مستعدين لمقاومة أنفسنا وما قد يسحبنا للخلف، علينا أن نكون مستعدين للخطأ، لتغيير الوظيفة، للتخلي عن المادة، للتخلي عن بعض الأصدقاء ولربما بعض الأهل، للتخلي عن الراحة والكسل، وعلينا أيضَا الاستعداد لمواجهة غير المألوف، للفشل عشرات المرات، علينا أن نكون مستعدين لنكون على حق رغم أن الجميع يعتبروننا مخطئين، فالاستعداد للسير وحيدين في طرقنا التي اخترناها لأنفسنا هو أصعب الاستعدادات، باختصار علينا أن ندفع الحدود المحيطة بنا ونوسع إطار عالمنا المحدود الذي اضطررنا للعيش فيه.

     لا أدعي أن ما سبق ذكره سهل يسير، أعلم أن الأمر قد يكون مؤلمًا وموجعًا عندما نكتشف كم ضيعنا من عمرنا ونحن منساقون وراء المجتمع بعاداته وتقاليده وما يألفه هو، كم هي صعبة المخاطرة بالفشل، كم هو صعب أن تمشي بين الناس محدقين بك بنظرة الغريب فقط لأنك غير مألوف لهم ولم تعد تسير على خطاهم، قد حِدت عن الطريق المسوّر لتخرج لطريق أكثر اتساعًا، ولأعلم كم نحاول على مدى المسير أن نتجنب الألم والخسارة ونهتم لتصور الناس وآرائهم ومعتقداتهم عنا، لكن كفانا فعل ذلك، إلى متى ونحن مكبلون بأصفاد المجتمع؟ عاداته وتقاليده؟ إلى متى ونحن مقيدون بتصورات الآخرين عنا؟ إلى متى ونحن عالقون في الماضي؟ وإلى أي مدى ماضينا يعرّفنا وملتصق بماهيتنا؟ إلى أي مدى نحن خاضعون للمجتمع الذي فُرض علينا حانيين رؤوسنا له؟ إلى متى سنخشاهم؟ إلى متى سنستمر في ذلك؟ كم نحن جاهلون بقدراتنا وبأنفسنا وبمدانا وطاقاتنا وما خفي فينا!

     آن أوان الخروج من قوقعة المجتمع، آن أوان الجرأة واتخاذ خطوة كبيرة للأمام، آن أوان تحويل الفشل لفرص، آن أوان الكشف عما هو باطن، آن أوان ازدهارنا من فتات فشلنا السابق، آن لنا أن نمنح الإبداع أهمية، ولقدراتنا الفرصة والمساحة، آن لنا أن نخرج من المسار الأقل مقاومة، ونسمح لطاقاتنا الداخلية الكامنة أن تتفجر، آن أوان التعلم بالمشاركة، وتنمية الإبداع، وزيادة الخيارات، وخوض المخاطرة، آن أوان أن نصنع عالمنا الخاص بنا، ونفرض التغيير على العالم الحالي، علينا أن نريه إبداعنا وإمكانياتنا وقدراتنا، علينا أن نضع إنجازاتنا في وجهه، فلن نسمح بعد اليوم باستصغار جهودنا وتعريفنا بفشلنا وأخطائنا، فنحن بشر ولنا قيمة بذواتنا بغض النظر عما هو متوقع منا!

     الحياة ليس فيها إعادة، وأنت لن تعيش مرتين، فكن نفسك ولا تخشَ من ذلك، دعك من أوهام القيود التي وضعها الناس لأنفسهم، وانطلق مستكشفًا وباحثًا عن سبل الإبداع، واترك لك بصمة أينما حطت قدماك، أنت إنسان فكن كذلك ولا تتجرد من نفسك لأجل أحد، فالحياة ليس فيها إعادة، وأنت لن تعيش مرتين!

بقلم

دانة الخشان

شاهد أيضاً

‏الإشاعة سلاح فتاك

‏خلال تصفحي تطبيقات التواصل الاجتماعي لاحظت سهولة رواج الشائعات بين الناس، بل تتصدّر المشهد وتصبح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *