20 - 7 - 2019
الرئيسية / لكل مقامٍ / أبرق خيطان ورمضان

أبرق خيطان ورمضان

في غالب الأحيان تكون المناطقية، أو بالأحرى مسقط رأسك هي أحد البوابات للفهم الكثير من العادات والثقافات للشعوب الأخرى، وقد تكون خدمة معلوماتية وثقافية بالمجان، ناهيك عن فهمك للكثير من المصطلحات والعبارات، التي لم تكن دارجة في محيطك الأسري ، قد تخدمك فيما بعد في الحياة العملية،إن كنت تميل لها بروح الشغف، لتعلم بعض اللغات الجديدة ، وكل هذا من خلال الاحتكاك والمجاورة السكنية.

وبالفعل في أواخر المرحلة المتوسطة من حياتي تبلورة هذه الصورة الحقيقية جيداً ، بما يدور حولى من فهم تلك الثقافات الجميلة بين أوساط منطقتي وهي..” أبرق خيطان ” قبيل انتقالى منها بحكم القفص الذهبي ، كانت معالمها تظهر جليا في شهر رمضان ، تزهو وتزدهر شيئا فشيئا لكل، من خلال تزين الشوارع الداخلية بين الأحياء السكنية وتعليق الزينات ، إيذانا بحلول شهر رمضان الكريم ..

كانت منطقتي تحوى بين خلف جدران منازلها كل تنوع الثقافات والاثنيات من العاداتها القيمة، ضاربة أبهى صور التكافل التى أمر بها ديننا الحنيف…،لو نزلنا في ساحة العزاب من الجالية المصرية وبالأخص في قطعة ( ٤ ) كانت الفوانيس والزينات معلقة بطريقة في غاية من الاحترافية بين البيوت،والتي تعوضهم عن الجو الرمضاني الذي كانوا يعيشونه في بلادهم خلال أيام الشهر الفضيل،وارتباطهم بعادات وتقاليد توارثها جيلا عبر جيل، مازالت تفاصيلها حاضرة، بل محفورة بين ثنايا ذاكرتهم لا يطالها النسيان،يتحدثون عنها بشغف ممزوجة بالحنين حينما تقترب منهم..قبيل حلول آذان المغرب ، تجد الباعة في الساحة الترابية وبين الطرقات يبيعون الخضروات الطازجة.وفي الناصية من يبيع زجاجات من العرق سوس والتمر الهندي، بينما تجد مخبز ” شيخ البلد” صنع بعض الحلويات والأصناف الخاصة لرمضان.واصطنع طاولة كبيرة ،وجعلها أمام المخبز.

كانت جولاتي العفوية مستمرة لا تتوقف بين منطقتي، بل تنتقل من شارع إلي شارع آخر ، من شارع الحضارمة، وعادات أهل اليمن في رمضان معروفة،كسائر مختلف دول الخليج والبلدان العربية..، كنت اسمعها على ألسنتهم ، حينما كان يحدثني ،صديقى

” حسين عيد ” عن وجبة

” الشفوت ” اليمنية المشهورة،وهو طبق مزيج من الخبز “الرقاق ” أو ” اللحوح” والزبادي المخلوط بالنعناع الأخضر والكمون والملح،وكذلك هناك  العصيدة، والسلتة.والكبسة والمندي..، بينما لم أذق حينها غير العصيدة ..سرعان ما قفز على ذاكرتي، ذلك البيت العربي في أحد أحواش منطقتي من خلال مجموعة من الأخوة العمانيين يصنعون الخبز ” الرقاق”وبقيادة   حجي ” سالم ” ..من بعد صلاة العصر.تصطف سيارات عديدة، أغلبها من خارج المنطقة ، للشراء أكياس خبز

” الرقاق”

وصولا إلي الجالية الفلسطينية.وهي الأكثر بين الجاليات أنذاك في منطقتي، وفي هذا المقام ، من الصعب أن أسقط من ذهني  جارتنا ” أم محمود أبو العينين” وحرفية تبادل الأطباق مع والدتي، ممزوجة ببعض القصص والأخبار طريفة تدور رحهها أثناء التبادل ، وكأن توقيت تبادل الأطباق ، دخلت في دائرة المحاصصة

ها هي  ” شريفة الباكستانية” أيضا، تتقدم وتحمل بين يدها ذلك الطبق ذو نكهة فواحه، يتطاير من جوانبه رائحة البهارات النفاذة والحريفة.غالبا ما كانت تأخذ طبق مقابل طبقها..مكتفية بإبتسامتها الخجولة……هذا التنوع الثقافي الذي أوجدته عامل الصدفة، أو بحكم ولادتي في هذه المنطقة ، هذا التنوع الذى كان يزهر في رحاب التسامح والعدالة الاجتماعية ، والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات ، كان له تأثير على شخصيتي مع مرور الوقت ، فأنت أمام بحر من الثقافات، وإن لم تكن بذلك الزخم الكبير، إلا أنها تعتبر ثقافات وافدة، ويستطيع المرء أن يتأقلم معها، إذا سعى لها طواعية، وليست من الصعوبة كما يظن البعض، ولا ينظر لها بشيء من التكبر والعياذ بالله

علاوة على ذلك ، فأن الجذور الإسلامية عميقة ومتأصلة وهي في كثير من الشرائح المتعددة،من خلال مجالستهم والدنو منهم واستشعار ما هم فيه من العناء لها أثرها في قلب المؤمن عظيم،لذا فإن محبتهم هى أصل الحب في تعالى ؛لأنه ليس عندهم من الدنيا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا لله عز وجل ، والحب في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أفضل الإيمان… “قيل لأحد الصالحين لما لا تصلي معنا في هذا المسجد ، ..قال:  أحب أن أصلى في ذلك المسجد أكون ضمن الفقراء والمساكين …”…

لا يعني هذه الأسر العفيفة التي جاورنها منذ الصغر ، تعتبر فقيرة ومعدومة ، حشا لله من هذا الظن ، بل كانت ولله الحمد ميسورة الحال ، ما أحببت ذكره من خلال المثال ، بأن الصلاة بين هذه الجموع في المسجد، لها طعم آخر من الطمأنينة والراحة النفسية،..في النهاية أرجو أن يكون جميع من تم ذكرهم ، أن يرحمهم الله برحمته أن كانوا من الأموات ، ولطالما كانوا من الأحياء أن يحفظهم الله ويمدهم في أعمارهم بالصحة


بقلم

” عبدالوهاب درويش “

شاهد أيضاً

المجلس الشبابي..مؤشر في الأمن الداخلي

كلما كانت مؤسسات الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها الخدمية كان ذلك دليلا على قوة الدولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *